ما شأنك بفردانية الله إن كنتَ لا تعرف كيف تسكن فردانيتك؟
لم تُخلق لتتكرر
الله واحد، لا شبيه له. ومن حكمته أن كل إنسان يأتي إلى الحياة بروح لا تتكرر، وتجربة لا يملك أحد أن يعيشها بالنيابة عنه. أنت أيضًا لم تُخلق نسخةً من أحد، ولم تُمنح هذا القلب وهذه البصمة كي تقضي عمرك في محاولة التشابه مع ما يريده الآخرون منك.
ومع ذلك، قد نمضي سنوات ونحن نتعلّم كيف نكون مقبولين قبل أن نتعلّم كيف نكون صادقين. نخفّض صوتنا كي لا نزعج أحدًا، ونعدّل رغباتنا كي لا نبدو مختلفين، ونرتدي نسخًا من أنفسنا تناسب المكان والشخص والتوقع. ومع الوقت، قد ننجح في أن يفهمنا الجميع، لكننا نتوقف عن فهم أنفسنا.
الرغبة في الانتماء ليست خطأ. نحن نحتاج إلى الحب والصحبة والشعور بأن لنا مكانًا بين الناس. لكن الانتماء الذي يطلب منك أن تتخلى عن نفسك ليس انتماءً حقيقيًا. والعودة إلى فردانيتك لا تعني أن ترفض الآخرين أو تتعالى عليهم، بل أن تتوقف عن خيانة ما تعرفه في داخلك لمجرد أن تبقى مقبولًا.
كن أنت كما خلقك الله، لا كما علّمك الخوف أن تكون.
ماذا تكشف لك الوحدة؟
عندما يقلّ من حولك، قد يفسّر عقلك المساحة على أنها رفض، أو يقرأ الصمت كأنه دليل على أن شيئًا ينقصك. لذلك قد تسرع إلى أي علاقة، أو أي حديث، أو أي انشغال يملأ الفراغ. ليس لأنك تحتاج إليه فعلًا، بل لأنك لا تعرف بعد كيف تجلس مع نفسك دون أن تهرب منها.
لكن الوحدة لا تعني دائمًا أن الحياة تركتك. ربما جاءت لتكشف لك شكل علاقتك بذاتك حين لا يكون هناك أحد يطمئنك، أو يختارك، أو يمنح يومك معنى. وربما جاءت لتعلّمك أن تطمئن إلى وجودك، وأن تعرف أن السكينة لا تأتي دائمًا من وجود شخص بجانبك، بل من شعورك أن الله معك، وأنك لم تعد غائبًا عن نفسك.
لا تجعل الوحدة حكمًا على قيمتك. وجودك لا يصبح أقل لأن أحدًا لم يره اليوم، وقلبك لا يفقد معناه لأن شخصًا لم يختره. قيمتك ليست حدثًا يقع حين يحبك أحد، ثم يختفي حين يبتعد.
حين تصبح الوحدة خلوة
الوحدة حين تقاومها تصبح فراغًا، وحين تطمئن إليها قد تصبح خلوة.
الخلوة ليست انسحابًا من الحياة، وليست إنكارًا لحاجتك إلى الآخرين. إنها مساحة واعية تعود فيها إلى مركزك. تصمت قليلًا كي تسمع ما غطّته الضوضاء، وتبطئ كي تلاحظ ما كنت تتجاوزه، وتجلس مع الله ومع نفسك دون أن تطلب من أحد أن ينقذك من الصمت.
في الخلوة، تبدأ أصوات الآخرين بالهدوء. عندها تستطيع أن تسأل: ماذا أريد أنا حين لا ينتظر مني أحد إجابة؟ ماذا يحب قلبي حين لا أحاول إرضاء أحد؟ من أكون حين لا أؤدي دورًا، ولا أثبت شيئًا، ولا أطلب القبول؟
هذه الأسئلة لا تعزلك عن العالم، بل تعيدك إليه بصورة أصدق. فعندما تعرف صوتك، تستطيع أن تدخل العلاقات دون أن تذوب فيها، وأن تحب دون أن تجعل الحب بديلًا عن وجودك، وأن تكون قريبًا من الآخرين دون أن تبتعد عن نفسك.
لا تهجر نفسك بحثًا عن الحب
قد يكون أقسى أشكال الوحدة أن تكون محاطًا بالناس، بينما أنت غائب عن نفسك. أن تقول نعم وقلبك يقول لا، وأن تبقى حيث تتألم خوفًا من أن تُترك، وأن تمنح الآخرين حق تحديد قيمتك لأنك لم تتعلّم بعد كيف تثبت في مكانك.
الخلوة قد تكون المكان الذي ترى فيه هذا بوضوح. ليست غياب الحب، بل المساحة التي تتعلّم فيها ألّا تهجر نفسك بحثًا عنه. فالحب الذي يستحقك لا يحتاج إلى اختفائك، والعلاقة التي تحفظ روحك لا تطلب منك أن تصبح نسخةً أصغر، أهدأ، أو أكثر طاعة للخوف.
حين تكفّ عن طلب قيمتك من الخارج، لا تصبح مستغنيًا عن الحب، بل تصبح قادرًا على استقباله بطريقة أنضج. لن تتعلق بأي يد فقط لأنها امتدت إليك، ولن تعتبر كل ابتعاد إدانةً لك، ولن تقايض حقيقتك بوعد البقاء.
المعجزة التي تبدأ بالعودة
المعجزة ليست دائمًا حدثًا كبيرًا يأتي من بعيد. قد تبدأ في اللحظة التي تتوقف فيها عن الهرب من نفسك. في اللحظة التي لا تعود فيها تبحث عمّن يمنحك قيمتك، وتقف في مكانك كاملًا، صادقًا، مطمئنًا إلى وجودك.
هناك يتغيّر معنى الوحدة في قلبك. لا تعود تقول: «لا أحد معي»، بل تعرف: «أنا هنا... والله معي». ومن هذا المكان، لا تصبح حياتك خالية من الحاجة أو الحزن، لكنها تصبح أقل خوفًا. لأنك تعرف أن غياب شخص لا يعني غيابك أنت، وأن نهاية علاقة لا تعني نهاية الحب، وأن الصمت لا يعني أن الحياة نسيتك.
لم تُخلق لتتكرر. خُلقت لتظهر مرةً واحدة فقط، بهذه الروح، بهذا القلب، وبهذه البصمة. فكن أنت، واطمئن إلى صحبتك، ولا تجعل بحثك عن القرب سببًا في ابتعادك عن نفسك.
وربما كانت المسافة بينك وبين المعجزة، هي فقط المسافة بينك وبين نفسك.



